قصة المراهقة التي رفضت اللعبة
ليست كل السجون مظلمة ذات جدران رطبة وقضبان حديدية؛ فبعضها يُبنى من ذهب خالص، ويُفرش بأرقّ أنواع الحرير، ويُطلق عليه زائفاً اسم الأمان.
في هذه السطور، نلتقي ب نور، الفتاة التي خطت أولى خطواتها في معترك الحياة بقلبٍ غِرّ وأحلام بيضاء، فظنت أن فارق السن بينها وبين زوجها عاصم سيكون منارةً ترشدها، وملاذاً يحميها من قسوة العالم. لكنها لم تكن تعلم أن الرعاية المفرطة قد تكون أحياناً أشد فتكاً من الإهمال، وأن الحب الذي يشترط عليك أن تبقى طفلاً لا تكبر، هو في حقيقته رغبة أنانية في السيطرة وإلغاء الكيان.
إنها حكاية الانعتاق من بيت الدمى، والعبور المؤلم والضروري من زمن الطفولة المفروضة، إلى فضاء المرأة الحرة التي تختار ألوانها، وتواجه عواصف الحياة برأس مرفوعة ووعي جديد. سيرة امرأة رفضت أن تكون مجرد تحفة منسية على رفّ، وقررت أن تكتب سطرها الأول بمداد الحرية.
حين تزوجت ب عاصم، لم أكن أرى في فارق الخمسة عشر عاماً بيننا سوى جسرٍ من الخبرة سيعبر بي نحو الأمان. كنت نور، الفتاة التي تخرجت لتوها من الجامعة بقلبٍ يتسع للعالم، وكان هو يمثل لي الرجل الحامي. لكن بمرور الوقت، أدركتُ أن الأمان الذي قدمه لي لم يكن سوى قضبان ذهبية لقفصٍ سمّاه هو الحب.
ذات مساء، وبينما كنا نجلس في صالوننا الفاخر، وضعتُ أمامه منشوراً لبرنامج ماجستير في العلوم السياسية. قلتُ بحماس
عاصم، لقد فكرتُ كثيراً، وأريد أن أقدم أوراقي هذا العام. أشعر أن عقلي يحتاج لهذا التحدي.
وضع عاصم فنجان قهوته ببطء، ونظر إليّ بتلك الابتسامة التي كنتُ أظنها حنونة، قبل أن يربت على كفي قائلاً
ماجستير؟ ولماذا ترهقين هذه الرأس الجميلة بصراعات العالم وتاريخ الحروب؟ أنتِ يا نور طفلتي المدللة، مكانكِ هنا، حيث الورود والهدوء. اتركي السياسة لي، واهتمي أنتِ بأناقتكِ.
حاولتُ جاهدةً كبت ضيقي، وسألته
ولكن إلى متى سأبقى مجرد طفلة؟ أنا امرأة لي طموح، وعمري يتجاوز الخامسة والعشرين!
ضحك بخفة وكأنني ألقيتُ نكتة بارعة، وقال
في نظري، ستظلين دائماً تلك الصغيرة التي خطفت قلبي ببراءتها. لا أريدكِ أن تتلوثي بخبث الواقع. ألا يكفيكِ أنني أحقق لكِ كل أمنياتكِ قبل أن تنطقي بها؟
لم يفهم عاصم أن أمنيتي لم تكن فستاناً جديداً أو رحلة سياحية، بل كانت اعترافاً بكياني. كان يتعمد إحراجي حتى أمام أصدقائه. أذكر مرة حين كنا في عشاء عمل، ودار نقاش حول أزمة اقتصادية عالمية، فحاولتُ المشاركة برأي قرأته مؤخراً. قاطعني عاصم بضحكة مجلجلة أمام الجميع وهو يقول
انظروا إليها! طفلتي تريد أن تصبح محللة اقتصادية. حبيبتي، ركزي في اختيار صنف الحلوى، واتركي الأرقام للرجال.
نزلت كلماته كالسياط على كرامتي. شعرتُ حينها أنني تحفة اشتراها ليزين بها طاولته، لا شريكة يشاطرها فكره. كانت تلك اللحظة هي الشرارة التي أحرقت خيوط الحرير.
عندما عدنا إلى البيت، لم أصمت كالعادة. واجهته في وسط الردهة
عاصم، أنا لست دمية في بيت هزاز. أنت لا تحبني، أنت تحب الشعور بالسيطرة الذي تمنحه لك صغري وقلة خبرتي.
رد بذهول وكأنه لا يصدق تمردي
نور، هل جننتِ؟ أنا أحميكِ من العالم!
صرختُ بمرارة
بل تحمي نفسك من نضجي! لأنك تخاف إذا كبرتُ وعرفتُ قدري، ألا أعود بحاجة إليك.
في تلك الليلة، أدركتُ أن البقاء معه يعني الانتحار البطيء للروح. حزمتُ حقائبي، لا لأهرب، بل لأبدأ رحلة البحث عن نور التي طمسها لسنوات. غادرتُ قصره وأنا أردد في سري لقد كبرتُ يا عاصم، كبرتُ لدرجة أن قفصك لم يعد يتسع لي. اليوم، أنا لست ابنة أحد، ولا طفلة أحد؛ أنا امرأة تصنع قدرها بيديها، وتفخر بكل تجعيدة نضج تظهر على جبينها.