قصة التضحية الصامتة التي أنقذت عائلتي

لمحة نيوز

بدأت فصول قصتي يوم أن اكتشفتُ، أو هكذا خُيِّل إليّ، أن زوجتي وأم أطفالي نهى قد وقعت في حبائل طاغية الحي ومصدر رعب الجميع، المدعو فارس. كان فارس وابنه يفرضان سطوتهما البطاشة على المنطقة بأكملها منذ عقود؛ يأخذان الإتاوات من أصحاب المحال، ويتنمرون على الأهالي، ولا يجرؤ أحد على الوقوف في وجههما، خاصة بعد اختفاء أحد السكان كلياً عقب تقدمه بشكوى رسمية ضدهما. لم أكن جباناً، لكنني كنتُ أباً يقظاً يخشى على مستقبله ومستقبل أطفاله الصغار؛ فلم أرد أن أتحول إلى جثة أو مقعد في كرسي متحرك باسم المروءة، وأترك أطفالي يتامى مع أم سلكت طريقاً مظلماً. كان خيار الطلاق والمواجهة المباشرة يهدد بحمام دم لن ينتهي إلا بقتلي على يد فارس ونفوذه الباطش، لذا اتخذتُ قراراً حاسماً ومصيرياً بالهجرة والعمل في الخارج، مدبراً لأطفالي مدرسة متميزة تؤمن لهم مستقبلاً واعداً. وافقت نهى على بقائها في البلاد مؤقتاً بحجة التفرغ لرعاية والدتها المريضة، بينما كنتُ أعلم في قرارة نفسي أنها لا تريد الابتعاد عن ذلك البطاش؛ فركبنا الطائرة واستقر بنا المقام في الغربة، وحرصتُ فور وصولي على تطليقها رسمياً عن بُعد لقطع كل حبل يربط اسمي بها.

في أرض الغربة، ركزتُ كل طاقتي وجهدي على نجاحي المهني وتوفير أقصى درجات الاستقرار النفسي والمادي لأطفالي؛ فقد حرصتُ كل الحرص على ألا أذكر أمهم بسوء أمامهم أبداً، صيانة لتوازنهم العاطفي، بل أقنعتهم بأن بقاءها بعيدة عنهم إنما هو بدافع برها بجدتهم المريضة، وسنحتُ لهم بالتواصل الهاتفي المستمر معها. مرت الأيام والشهور وهدأت الأقاويل التي طالتني حول سبب انفصالنا، واستقرت حياتنا في واحة من الهدوء والأمان، إلى أن جاء اليوم الذي تلقت فيه شاشتي اتصالات متكررة من نهى، تفاجئني فيه برغبتها القاطعة في الموافاة والانضمام إلينا. صادمتها فوراً بحقيقتها وتوهمي أنها تبحث عن ملجأ بعد أن تركها ذلك الرجل الباغي، ليتحول حوارنا الهاتفي إلى مواجهة ساخنة ودراماتيكية فجرت فيها نهى مفاجأة زلزلت كل يقين استقر في وجداني لسنوات طويلة.

أخبرتني نهى والدموع تخنق نبراتها بأنها لم تتخلَّ عني يوماً بدافع الهوى أو الفساد الداخلي، بل استسلمت لبطش فارس بعد أن حاصرها وهددها بالقتل الصريح لي ولأطفالي إن لم تذعن لرغباته؛ فهو يعرفها منذ الصغر بحكم الجوار، ولما بسط نفوذه وشره في الحي، أصر على أن ينالها بأي ثمن. ولما عجزت عن صد تهديداته المتواصلة بالقتل وتيقنت من جديته، اتفقت مع والدتها العاقلة على ادعاء المرض لتبقى هي في المرمى وتؤمن خروجي وأطفالي بسلام إلى الخارج. أرسلت لي نهى مئات الرسائل الهاتفية التي تثبت تهديدات فارس البشعة، كما تواصلتُ مع حماتي السابقة التي أكدت لي الحقيقة المرة؛ حيث قالت إنهم عاشوا الجحيم لإنقاذ حياتي وحياة الصغار، وأن نهى لم تطلب العودة كزوجة بل فقط أن تعيش بالقرب من أطفالها بعد أن أتمت مهمة حمايتنا. أدركتُ حينها الحجم الخرافي للتضحية التي قدمتها هذه المرأة الشريفة، وفهمتُ أخيراً سر استسلامها لذلك الشخص بالذات، ورغم اشتعال رغبة الانتقام في صدري، إلا أنني أدركتُ أن الحكمة تقتضي تأمين العائلة وتجنب المواجهة العبثية مع قوى البطش.

لم أستطع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء فوراً أو ردها لعصمتي في الحال نتيجة الآثار النفسية الشديدة للظروف القاسية التي مرت بها، لكنني دبرتُ لها عملاً وشقة مستقلة بالقرب من منزلنا. وصلت نهى وكان اللقاء الأول مفعماً بالحرج والذهول؛ فمن جانبي كنتُ متنازعاً بين الامتنان العميق لمن أنقذت حياتي وبين ثقل التجربة، بينما كان الأطفال في قمة سعادتهم باستعادة أمهم. بدأت نهى تزورنا أسبوعياً وتعد لنا الطعام وتقضي معنا أوقاتاً دافئة تشبه أيامنا الخالية، حتى جاءت تلك الليلة التي أصر فيها الأطفال بدموعهم على بيات أمهم في المنزل. وفي الصباح التالي، وأنا أراقبها في المطبخ تحضر الفطور بكامل حنانها وألفتها السابقة، أدركتُ يقظة قلبي وأن مكانها الطبيعي هو بيننا وإلى الأبد. أعدنا عقد قراننا برباط مقدس جديد، واستحضرنا والدتها للعيش معنا لتكتمل العائلة في أمان تام. أما فارس، فقد جاءت عدالة السماء لتسدل الستار على طغيانه؛ إذ عُثر عليه جثة هامدة في أحد الأزقة المظلمة برصاصة في الرأس، ليرتاح الحي والمجتمع من شره إلى الأبد دون أن تذرف عليه عين واحدة.

تم نسخ الرابط