ندم خلف جدار الصمت
كنت أعيش في عالم يحكمه سكون تام. بعد وفاة والديّ وزواج إخوتي، تحول منزلي إلى واحة من الصمت الخالص، وحتى في عملي، كنت أنعزل في مكتبي المنفرد، لا أتبادل مع الزملاء إلا التحيات العابرة. كان المساء يعيدني إلى جدران مظلمة وبيئة خالية من أي صوت... حتى دخلت ليلى حياتي.
كانت ليلى شابة حسناء، تتدفق حيوية، ومعها دخلت آلاف القصص والأخبار اليومية. في فترة الخطوبة، كنت أعشق الاستماع إليها؛ كان حديثها اللامتناهي يملأ فراغ روحي، ولم أكن أملّ منه أبداً، ربما لأن لقاءاتنا كانت لا تتعدى الساعتين في كل مرة.
تزوجنا، وغيرنا ديكور المنزل معاً ليناسب حياتنا الجديدة، وبدأت رحلتنا الزوجية... لكن، هنا بدأت المفاجأة؛ فالكلمات لم تتوقف قط!
فجأة، وجدت نفسي في مواجهة شلال كلامي لا ينقطع طوال الأربع وعشرين ساعة. كان الخروج إلى العمل هو قارب النجاة الوحيد لي، حيث أستمتع ببعض الهدوء الذي تحول من عزلة موحشة إلى ملاذ مريح.
حاولت ذات يوم أن ألمح لها بضرورة تقليل الكلام قليلاً، فغضبت وحزنت، وخوفاً على حبنا، تراجعت واعتذرت لها. بدأت أتهرب بطرق أخرى
أستمر في العمل لساعات متأخرة دون سبب.
أتطوع للسفر في مهمات خارجية فقط لأشتري راحة رأسي.
أتناول مسكنات الصداع قبل الجلوس معها وبعده.
لم أكن أبالغ، فحتى عائلتها وأصدقاؤها كانوا يلقبونها بالمذياع! والكارثة أن المسكينة قررت قطع علاقاتها وخروجها مع صديقاتها لتقضي كل وقتها معي في عطلة نهاية الأسبوع، ظناً منها أنها تسعدني. وصلت إلى مرحلة فكرت فيها بالطلاق، لكن كيف سأبرر ذلك للمحكمة أو للناس؟ هل أقول أريد الطلاق لأن زوجتي تتحدث كثيراً؟ وهي تملك ألف ميزة حميدة أخرى!
في لحظة ضيق، قررت أن أضع النقاط على الحروف. جلست مع ليلى وأخبرتها بكل ما أشعر به من ضيق وإرهاق بسبب كلامها المستمر. نظرت إليّ بذهول تام، ولمعت الدموع في عينيها قبل أن تنفجر باكية. حاولت تهدئتها، لكنني لم أتراجع عن كلامي.
بعد ساعة، كانت قد حزمت حقيبتها الصغيرة، ووقفت عند الباب قائلة بمرارة
ماذا حدث لك؟ ألست أنت الشخص نفسه الذي قال لي قبل الزواج إنه محظوظ لأنني ملأت حياته الصامتة كالمدافن؟ لم تقل لي يوماً إن صوتي يزعجك. والآن تخبرني أنني كابوسك اليومي، وأنك تتهرب مني في العمل؟ واضح أن زواجنا قد انتهى.. الوداع، سأتركك مع صمتك العزيز!
حاولت استيقافها صارخاً ليلى! أنا أحبك، لا تتركيني!.. لكنها خرجت غاضبة، وقادت سيارتها بسرعة جنونية.
لم تصل ليلى إلى منزل أهلها. بسبب انفعالها الشديد وفقدان تركيزها، اصطدمت بعمود إنارة، وتحطمت سيارتها بشكل مروع، لتتجاوز مرحلة الخطر الجسدي وتدخل في غيبوبة عميقة.
ركضت إلى المستشفى، لكن عائلتها منعوني من رؤيتها في البداية، محملين إياي مسؤولية ما حدث، خاصة أنها اتصلت بهم وهي تبكي قبل الحادث. قالت لي والدتها بقسوة
كنت تتذمر من كلام ابنتي؟ ها قد صمتت تماماً، ولا يعلم إلا الله متى ستستفيق.. هل أنت مسرور الآن بالهدوء؟
انهارت دموعي كالأطفال. عت إلى البيت العتيق، وكان الصمت هذه المرة مرعباً، يجلدني بذنبي في كل زاوية. عندما نُقلت ليلى إلى غرفة عادية، أصررت على النوم بجانبها كل ليلة.
تحولت حياتي إلى تلك الغرفة البيضاء، وجسد ليلى الساكن. كنت أجلس بجانبها، أمسك يدها الباردة، وأبدأ في رواية تفاصيل يومي لها، بعد أن أخبرني الأطباء أن مرضى الغيبوبة قد يسمعون ما يدور حولهم. أخبرتها عن طفولتي، أسراري، أحلامي التي لم أشاركها مع أحد..
هناك فقط فهمت؛ فهمت أن الكلام حاجة إنسانية للمشاركة، وأن ليلى كانت كتاباً مفتوحاً يفيض بالحب، بينما كنت أنا منغلقاً.
مرت الأسابيع وأنا لم أتوقف عن الحديث. عندما نفد كلامي، بدأت أقرأ لها الروايات والمجلات بصوت عالٍ، وأحكي النكات وأضحك وحدي حتى أصبحت حديث المستشفى بأكمله، فمنهم من رآني مجنوناً، ومنهم من رأى فيّ نموذجاً للوفاء.
وفي إحدى الليالي، بينما كنت غارقاً في نوم عميق على كرسي الاستراحة، شعرت بحركة خفيفة. فتحت عيني لأجد ليلى تنظر إليّ بهدوء!
صرخت صرخة فرح هزت أركان المشفى، وركضت الممرضات، وجاء الطبيب مسرعاً. بعد الفحوصات، زُفت إلينا البشرى دماغها سليم تماماً ولم يتأثر بالغيبوبة.
قبلت رأسها ويديها وأنا أكاد أطير من الفرحة، وقلت لها
أريدك أن تتكلمي قدر ما تشائين.. أنا
أعشق صوتك وقصصك!
نظرت إليّ بابتسامة خبيثة وقالت بصوت واهن
هل أنت متأكد؟ ستندم على هذا القرار!
ضحكنا معاً من أعماق قلوبنا. واليوم، لم يعد كلام ليلى يزعجني أبداً، بل صار هو لحن الحياة الذي يطمئنني أن من أحب بخير. الرائع في الأمر، أننا رزقنا بطفل جميل، ويبدو أنه ورث المذياع من أمه.. فليكن كذلك، فلا يوجد أجمل من بيت تملؤه الضوضاء والحياة!