حكاية ريم وسراب الثراء

لمحة نيوز

لم يكن في حسني أبداً، أنا الفتاة التي لم تتجاوز عتبة العشرين من عمرها، أن أربط مصيري برجل متزوج، يملك عائلة وحياة مستقرة في مكان آخر. لكن عندما دخل سامح إلى صالون بيتنا، بدا وكأنه يمسك بمفاتيح عالم سحري كنت أظنه حكراً على روايات المسلسلات. كان يبدو وقوراً، فاحش الثراء، ويتحدث بثقة هزت كيان أمي.
أما أبي، ذلك الرجل البسيط الذي أفنى عمره في وظيفة متواضعة، فقد وقف سداً منيعاً منذ اللحظة الأولى. أذكر تماماً نظرة القلق في عينيه وهو يقول لأمي بصوت منخفض وحازم الرجال أدرى بالرجال يا امرأة.. هذا الرجل ليس منا، وأنا لا أشعر بالارتياح لنظراته. إنه في مثل عمري، كيف يقترن بطفلة؟
ثارت أمي كبركان خامد، وواجهته بمرارة السنين التي عاشتها في ضيق الحال ومن تظنها ستتزوج إذن؟ شاباً مبتدئاً يعيش في الفقر كما عشت أنا معك؟ الرجل ثري، يملك عقارات، مزارع، وشركات، وسينقل ابنتنا إلى مكان تستحقه! ابنتي ليست سلعة للبيع يا أم ريم! ما قيمة المال إن لم يكن هناك أمان؟ الأمان هو المال في هذا الزمن! أنت تكتفي بالقليل وتردد الحمد لله طوال النهار دون أي طموح، وتريد لابنتك أن تدفن شبابها في القلة! الحمد لله في السراء والضراء! هل أصبحت القناعة عيباً؟
انتهى الجدال بانسحاب أبي الحزين، تاركاً الغرفة برأس مثقل بالهموم. ركضتُ خلفه، ارتميت في حضنه وقبلت يديه الخشنتين قائلة أنت أفضل أب في الدنيا، لا تهتم لكلام أمي، أنت تعرف طبعها عندما تغضب. لكن كلمات أمي عن الثراء والفساتين والسيارات الفارهة كانت قد زرعت بذورها في عقلي الصغير. وبعد ثلاثة أشهر، كنت أرتدي الفستان الأبيض.
أسكنني سامح في شقة فاخرة تقع في أرقى أحياء العاصمة. كانت الشقة أشبه بمتحف صغير؛ أثاث إيطالي، إطلالة ساحرة، وكل ما أتمناه يأتيني بلمحة عين. أما زوجته الأولى وأولاده، فقد أخبرني أنهم يعيشون في الطرف الآخر من البلاد في البيت الأساسي، وأنه لا يذهب إليهم إلا نادراً.
كان يمضي معظم وقته معي. كنا نرتاد أفخم المطاعم، ونشتري أثمن الملابس. أقنعت نفسي حينها، بدافع الأنانية الطفولية، أنه لا يحب زوجته الأولى، وأن زواجهما كان مجرد صفقة عائلية قديمة لتبادل المصالح والجاه، ولم أشعر بأي ذنب تجاه تلك المرأة، فزواجي حلال، وهذا يكفيني.
كنت أزور أهلي بانتظام، محملة بالهدايا الثمينة لأمي وإخوتي. أمي كانت تكاد تطير من الفرح، تتباهى بي أمام الجارات كأنني بطلة حققت إنجازاً تاريخياً. أما أبي، فكان يرفض لمس أي هدية، أو حتى ركوب السيارة التي يرسلها سامح لي. كان ينظر إليّ بحزن عميق ويقول بغصة لن أقبض ثمن بيعكِ يا حبيبتي.. أتمنى فقط أن تكوني سعيدة.
ورغم مظاهر الرخاء، بدأت العتمة تتسلل إلى حياتي
عزلة خانقة كان سامح يرفض رفضاً قاطعاً أن أخرج من الشقة بمفردي. كنت أقضي ساعات النهار الطويلة في ملل قاتل، أنتظر عودته كالسجينة.
واجبات بلا مشاعر كان يفرض وجوده الحميمي معي صباحاً ومساءً كأمر واقع، حتى لو كنت متعبة أو غير مستعدة نفسياً. وعندما كنت أحاول الاعتراض، كان يبتسم ببرود ويقول أنتِ زوجتي وهذا واجبكِ.. أنا أؤدي واجباتي المالية والترفهية تجاهك، وعليكِ أداء واجباتكِ. لم أكن أعلم حينها أن العلاقة بين الزوجين مبنية على الحب والرغبة المتبادلة، وليست مقايضة بالمال.
حرمان من الأمومة عندما طلبت منه ذات يوم أن ننجب طفلاً يملأ عليّ وحدتي، تغيرت ملامحه ورفض بشدة قائلاً أنا رجل كبير ولدي أولاد يكفونني، والطفل سيحرمنا من متعتنا، والأهم من ذلك.. سيغير قوامكِ ورشاقتكِ وأنا أريدكِ هكذا.
مرت ستة أشهر على هذه الحال، وفي صباح يوم خريفي، طُرِق باب الشقة بعنف. فتحت الباب لأجد سيدة أربعينية تبدو عليها الصرامة. انقبض قلبي وظننتها زوجته الأولى جاءت لتنتقم مني، لكن صدمتي كانت من نوع آخر.
قالت المرأة بحدة أنا مالكة هذا المبنى، وجئت لأطالب بإيجار الشقة المتأخر لشهرين! 

تم نسخ الرابط