حكاية ريم وسراب الثراء
نظرت إليها بذهول وقلت إيجار؟ أنتِ حتماً مخطئة، زوجي سامح يملك هذه الشقة بالكامل! سخرت المرأة وقالت بل استأجرها مني قبل أقل من سنة، وكان يدفع بانتظام، لكنه تخلّف عن الدفع الشهرين الماضيين. أخبريه أنني سأبدأ بإجراءات الطرد إن لم يدفع خلال أسبوع.
أغلقت الباب والملح يملأ حلقي. اتصلت بسامح فوراً وأنا أرتجف، فضحك ضحكة غريبة وقال لا تقلقي، هذه امرأة مجنونة ولدي لغط معها، سأحل الأمر في المساء.
لكن منذ ذلك اليوم، بدأت الأمور تتغير بسرعة مرعبة. اختفت الهدايا، وتقلص المصروف اليومي الذي كان يتركه لي إلى الربع، وصار يعتذر عن الذهاب للمطاعم بحجة ضغط العمل. صمتُّ ولم أخبر أهلي؛ أولاً كبرياءً، وثانياً خوفاً من أن يشمت أبي في خياري.
وفي ليلة مظلمة، عاد سامح إلى البيت. لم يكن يبدو عليه القلق، بل كان هادئاً بشكل مستفز. جلس على الأريكة، ونظر إليّ مباشرة وقال ببرود لا يملكه إلا شيطان ريم.. لقد انتهت المغامرة.
توقفت أنفاسي وقلت بنبرة متلعثمة أي مغامرة؟ عن ماذا تتحدث؟ زواجنا.. انتهى. ستصلكِ أوراق الطلاق خلال أيام، وعليكِ البدء في جمع حقائبكِ وإخلاء الشقة بأسرع وقت، لأنني لا أنوي دفع إيجار شهر آخر.
سقطت على ركبتي وقلت بدموع حارقة هل جننت؟ هل زواجنا لعبة تسليت بها ثم قررت رميها؟ لنكن صريحين يا عزيزتي، الحياة كلها لعبة! سأكشف لكِ الورقة الأخيرة.. أنا لست ثرياً، ولا أملك مزارع ولا شركات. أنا مجرد موظف بسيط في شركة عادية جداً في الطرف الآخر من البلاد. وكيف.. ومن أين كل هذا البذخ؟ ضربة حظ! لقد لعبت في اللوتو اليانصيب وربحت مبلغاً ضخماً جداً. فكرت كثيراً في كيفية إنفاقه، وقررت أن أفضل طريقة لاستثمار هذا المال هي شراء وقت ممتع يعيد لي شبابي مع فتاة صغيرة وجميلة مثلكِ. والحل القانوني الوحيد للاستمتاع بكِ دون مشاكل كان الزواج.
استجمعت قواي وصرخت وزوجتك وأولادك؟ ابتسم وقال أخبرتهم أن الشركة أرسلتني في بعثة عمل وتدريب لمدة سنة في هذه المنطقة، وتركت لهم جزءاً من الأرباح ليروا أن وضعنا المادي تحسن ويصدقوا الكذبة. والآن، انتهى المال الذي خصصته لهذه المغامرة، وحان الوقت لأعود إلى حياتي الطبيعية وزوجتي التي تتحملني.
بصقت بوجهه وقلت أنت إنسان قذر، معدوم الأخلاق والضمير! وقف، ونفض ثيابه ونظر إليّ باحتقار قائلاً ومَن قال لكِ أنني ملاك؟ لكن تذكري جيداً.. أنتِ وأمكِ لستم أفضل مني! أنتم ركضتم خلف مالي كالمجانين. هل سأل أحدكم عن أصلي؟ هل بحثتم عن أخلاقي؟ هل أخذتِ وقتاً لتعرفيني أو تحبيني؟ لا! لقد غرتكم المظاهر وبعتِ نفسكِ لرجل لا تعرفين عنه سوى رصيده البنكي. والآن اجمعي حقائبكِ وارحلي، واحمدي الله أنني أذقتكِ عيشة الملوك لستة أشهر لن تحلمي بها طوال حياتكِ!
عدت إلى بيت أبي مكسورة، ذليلة، والدموع لا تجف من عيني. عندما علم أبي بالقصة، اشتعل غضباً وأراد البحث عنه لقتله، لكن سامح اختفى تماماً وكأنه فص ملح وذاب. وعندما ذهبنا إلى الخاطبة، رفعت يديها قائلة ببساطة أنا لست مسؤولة عن ضمائر الناس، الرجل طلب فتاة جميلة، ودفع عمولتي كاشفاً عن مال وفير، فما أدق أدراي بكذبه؟.
أمي غطت وجهها بالخزي وصمتت لأيام طويلة، واختلقت قصة وهمية أمام الجارات لتبرر طلاقي السريع، محاولة غسل عار الجشع الذي قادنا إلى الهاوية. أما الناس، فلم يرحموني، وبدأوا يتهامسون خلف ظهري بأنني بالتأكيد ارتكبت خطأً فادحاً جعل ذلك الزوج الثري العظيم يطردني.
بحثت عن عمل متواضع في مصنع صغير، ليس لحاجتي للمال فقط، بل لأهرب من جدران غرفتي ومن نظرات اللوم والشفقة. أما أبي، فقد احتضنني بعد أن أفرغ غضبه.. لقد كان على حق منذ البداية. لقد باعتني أمي للمظاهر، وبعتُ أنا نفسي لسراب الرفاهية، وتعلمت بالدموع والندم أن المال قوة إغراء قاتلة، ومن يبع نفسه من أجلها، سيكتشف في النهاية أنه مجرد سلعة تنتهي صلاحيتها عندما يفرغ جيب المشتري.